عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
71
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
ما يشاء اللّه عزّ وجلّ ؛ وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة ، وكان هذا الاتفاق من الصحابة سببا لبقاء القرآن في الأمة رحمة من اللّه عز وجل لعباده ، وتحقيقا لوعده في حفظه على ما قال جلّ ذكره : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] . ثم إن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كانوا يقرءون بالقراءة التي أقرأهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ولقنهم بإذن اللّه عز وجل ، إلى أن وقع الاختلاف بين القراء في زمن عثمان وعظم الأمر فيه ، وكتب الناس بذلك من الأمصار إلى عثمان ، وناشدوه اللّه تعالى في جمع الكلمة وتدارك الناس قبل تفاقم الأمر ، وقدم حذيفة بن اليمان « 1 » من غزوة إرمينية ، فشافهه بذلك ، فجمع عثمان عند ذلك المهاجرين والأنصار وشاورهم في جمع القرآن على حرف واحد ليزول بذلك الخلاف وتتفق الكلمة ، فاستصوبوا رأيه ، وحضوه عليه ، ورأوا أنه من أحوط الأمور للقرآن ، فاستحضر الصحف من عند حفصة ، ونسخها في المصاحف ، وبعث بها إلى الأمصار . . . وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي « 2 » قال : كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة ، كانوا يقرءون قراءة العامة ، وهي القراءة التي قرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه ، وكان علي رضي اللّه عنه طول أيامه يقرأ مصحف عثمان ، ويتخذه إماما ويقال : إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على جبريل وهي التي بيّن فيها ما نسخ وما بقي . قال أبو عبد الرحمن السلمي : قرأ زيد بن ثابت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في العام الذي توفاه اللّه فيه مرتين ، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت ، لأنه كتبها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وقرأها عليه ، وشهد العرضة الأخيرة ، وكان يقرئ الناس بها حتى مات ، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه ، وولاه عثمان كتب المصاحف ، رضي اللّه عنهم أجمعين . قلت : ومعنى قول عثمان رضي اللّه عنه : « إن القرآن أنزل بلسان قريش » أي معظمه بلسانهم ، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى
--> ( 1 ) هو حذيفة بن اليمان العبسي ، حليف بني عبد الأشهل ، كنيته أبو عبد اللّه ، هاجر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وشهد أحدا ، توفي بعد قتل عثمان بن عفان بأربعين ليلة ، سكن الكوفة . ( كتاب الثقات لابن حبان 3 / 80 - 81 ) . ( 2 ) أبو عبد الرحمن السلمي : هو عبد اللّه بن حبيب بن ربيعة ، أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي ، تابعي ، توفي سنة 72 ه ، ( انظر ترجمته في : الطبقات الكبرى 6 / 212 ، كتاب الثقات 5 / 9 ، صفة الصفوة 3 / 30 ، تهذيب التهذيب 5 / 183 ، غاية النهاية 1 / 413 ) .